صديق الحسيني القنوجي البخاري

158

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ في حقوق المذكورين أو من شر ففيه اكتفاء فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً يجازيكم بحسب فعلكم من خير وشر . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 128 ] وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 128 ) وَإِنِ امْرَأَةٌ مرفوع بفعل يفسره خافَتْ أي توقعت ما يخاف من زوجها وقيل معناه تيقنت ، وهو خطأ مِنْ بَعْلِها والبعل هو السيد نُشُوزاً ودوام النشوز قاله الزجاج يعني ترفعا عليها بترك مضاجعتها والتقصير في نفقتها لبغضها وطموح عينه إلى أجمل منها أَوْ إِعْراضاً عنها بوجهه ، قال النحاس : الفرق بين النشوز والإعراض أن النشوز التباعد ، والإعراض أن لا يكلمها ولا يأنس بها . فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أي لا حرج ولا إثم على الزوج والمرأة قال أبو السعود : الجناح عن الزوج ظاهر لأنه يأخذ شيئا من قبلها ، والأخذ مظنة الجناح ، ومظنة أن يكون من قبيل الرشوة المحرمة ، وأما نفي الجناح عنها مع أن الذي هو من قبلها هو الدفع لا الأخذ فلبيان أن الصلح ليس من قبيل الرشوة المحرمة للمعطى والآخذ اه . أَنْ يُصْلِحا من المصالحة على قراءة الجمهور وظاهر الآية أنها تجوز المصالحة عند مخافة أي نشوز أو أي إعراض ، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وظاهرها أنه يجوز التصالح بأي نوع من أنواعه إما بإسقاط التوبة أو بعضها أو بعض النفقة أو بعض المهر . وقرأ الكوفيون أَنْ يُصْلِحا من الإصلاح والأول أولى لأن قاعدة العرب أن الفعل إذا كان بين اثنين فصاعدا قيل تصالح الرجلان أو القوم لا أصلح . بَيْنَهُما صُلْحاً أي في القسمة والنفقة ، قال ابن عباس : فإن صالحته على بعض حقها جاز وإن أنكرت ذلك بعد الصلح كان ذلك لها ، ولها حقها وَالصُّلْحُ لفظ عام يقتضي أن الصلح الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خَيْرٌ على الإطلاق أو خير من الفرقة أو من الخصومة أو من النشوز والإعراض ، وهذه الجملة اعتراضية قاله الزمخشري ، واللام في الصلح للجنس أو للعهد . وقد أخرج الترمذي « 1 » وحسّنه وابن المنذر والطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال : خشيت سودة أن يطلقها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالت : يا رسول

--> ( 1 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 4 ، باب 26 .